المامقاني
333
غاية الآمال ( ط . ق )
فأبوا إلى الا تطليقها ثلاثا ولا واللَّه جعلت فداك ما أردت اللَّه ولا أردت الا ان أداريهم عن نفسي وقد امتلاء قلبي من ذلك فمكث طويلا مطرقا ثم رفع رأسه وهو متبسم فقال اما بينك وبين اللَّه فليس بشيء ولكن ان قدموك إلى السّلطان أبانها منك وجه الدّلالة انه لو لم يقصد مفهوم اللفظ لم يكن وجه لاضطرابه وسؤاله خصوصا مع دلالة قوله ما أردت اللَّه ولا أردت الا ان أدارهم على أن الغرض من إيقاع الطلاق كان ذلك فهو قد أوقع الطلاق قاصدا إلى مفهومه لكن لغاية مداراتهم لا لغاية تحصيل ما جعله اللَّه تعالى طلاقا قوله ويكفي في ذلك ما ذكره الشهيد الثاني ( رحمه الله ) من أن المكره والفضولي قاصدان إلى اللفظ دون مدلوله غرضه ( رحمه الله ) انه يكفى في كون مرادهم بالقصد الذي نفوه عن المكره هو القصد إلى وقوع أثر لعقد ومضمونه ما ذكره الشهيد الثاني ( رحمه الله ) من وصف الفضولي بأنه قاصد إلى اللفظ دون المعنى ضرورة ان من البين ان الفضولي لا يذكر اللفظ خاليا عن المعنى ومجرّدا عنه فتشبيه الفضولي ببيع المكره في كلامه ( رحمه الله ) فيما ذكر يقتضي ان المكره ( أيضا ) قاصد إلى مفهوم اللفظ قال ( رحمه الله ) في مقام بيان وجه الفرق بين المكره وغيره من جهة صحة عقد الأول بالإجازة اللاحقة دون الثاني ما لفظه الفرق بينهم وبين المكره واضح إذ لا قصد لهم إلى العقد ولا أهلية لهم لفقد شرطه وهو العقل بخلاف المكره فإنه عاقل بالغ وليس ثم مانع الا عدم القصد إلى العقد حين إيقاعه وهو مجبور بلحوق الإجازة فيكون كعقد الفضولي حيث انتفى القصد إليه من مالكه الذي يعتبر قصده حين العقد فلما لحقه القصد بالإجازة صح و ( حينئذ ) فلا مانع من الصحّة إلا تخيل اشتراط مقارنة القصد للعقد ولا دليل عليه وينبه على عدم اعتباره عقد الفضولي وعموم الأمر بالوفاء بالعقد يشمله فلا يقدح فيه اختصاص عقد الفضولي بنص وبهذا يظهر ضعف ما قيل هنا من انتفاء القصد أصلا ورأسا مع عدم الرّضا وان الظاهر من كون العقود بالقصد المقارن لها دون المتأخر ويمكن ان يقال إن القصد من المكره حاصل دون من سبق لان غير العاقل لا يقصد إلى اللفظ ولا إلى مدلوله بخلاف المكره فإنه باعتبار كونه عاقلا قاصد إلى ما يتلفظ به ويفعله لتعوده لكنه بالإكراه غير قاصد إلى مدلوله وذلك كاف في صلاحيته وقبوله للصحّة إذا لحقه القصد إلى مدلوله بإجازته ومثله القول في عقد الفضولي فإنه قاصد إلى اللفظ الصادر منه لأن المفروض أهليّته وجمعه للشرائط المعتبرة في صحة العقد لا الملك ولا يتحقق منه لو قصد مدلوله أعني نقل الملك والتسليط على التصرّف وغيرهما من أحكام العقد لان ذلك من وظائف المالك فإذا أجازه المالك وقصد إلى ذلك يصحّ هذا كلامه ( رحمه الله ) ولا يخفى على من تأمل في أطرافه على انّ حمله على ما استشهد به ( المصنف ) ( رحمه الله ) في غاية البعد كما لا يخفى على من له حظَّ من الوصول إلى حقائق الأمور ان الرّضا بمضمون العقد غير القصد إليه وان ما لا يلزم اقترانه بالعقد انما هو الرضا وامّا القصد إلى مضمون مدلول اللفظ ومفهومه فلا بد من اقترانه الاقتران به والا لم يتحقق مصداق العقد وان الرّضا انما يؤثر صحة العقد مع وقوع القصد إلى مفهوم العقد من العاقد في حال وقوعه وبعبارة أخرى ان الرّضا اللاحق انما يصحّح العقد ومع عدم قصد المفهوم من اللفظ لا يتحقق عقد حتى يصححه الرضا اللاحق ومن المعلوم ان القصد إلى مفهوم اللفظ قد صدر من العاقد الفضولي وبقي الرضا من المالك الذي هو عبارة عن طيب نفسه بوقوع مضمون العقد وترتب الأثر عليه وحيث لم يكن وقوعه من العاقد المذكور غير مستلزم لرضا المالك بقي العقد موقوفا عليه فلما لحقه ثمّ وترتب عليه الأثر قوله نعم ذكر في التحرير و ( المسالك ) في فروع المسئلة ما يوهم ذلك التعرض للفروع التي أشار إليها قد وقع في الكتابين في باب طلاق المكره كما هو طريقة الفقهاء ( رضي الله عنه ) من التعرض لتفصيل مسئلة الإكراه هناك وعبارة ( المسالك ) موافقة لعبارة التحرير مع زيادة يسيرة كما يأتي ذكره في كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) قوله ثم إن حقيقة الإكراه لغة وعرفا حمل الغير على ما يكره ( انتهى ) اعتبر المحقق ( رحمه الله ) في كتاب الطلاق في تحقق حقيقته أمورا ثلاثة أحدها كون المكره قادرا على فعل ما توعد به بولاية أو تغلب أو نحوهما وزاد جماعة التقييد بكون ذلك مع عجز المأمور عن دفعه بنحو فرارا ومفارقة أو استعانة وثانيها غلبة الظن بأنه يفعل ذلك مع امتناع المأمور وثالثها أن يكون ما توعد به مضرا بالمأمور في نفسه خاصة أو من يجرى مجرى نفسه كالأب والولد وعن أنوار الفقاهة انّه لو توعد بقتل أحد الشيعة تحقق له الإكراه بل لو توعد بقتل مسلم ( مطلقا ) من أي فرقة كان ممن لا يحكم بكفره وأنت خبير بما فيه لان ذلك مما لا يساعد عليه معنى الإكراه ولا دليل أخر لأن الإكراه ( صح ) يتحقق بالحمل على مكروه للفاعل بتهديده بما يصعب عليه وقوعه حتى أنه لأجل التفصي عنه يلتجئ إلى ما أراده المكره حمله عليه وأين هذا من التهديد بقتل أحد الشيعة أو أحد المسلمين والى ما ذكرنا أشاروا بالتقييد بالإضرار في نفسه أو من يجرى مجرى نفسه نعم لو فرض المكره مثل سلمان وأبي ذر ممن يعز عليه هلاك المسلم بل يرى أن نفس كل مسلم أعز من نفسه احتمل بعيدا تحقق الإكراه بالنسبة إليه بالتوعد بقتل مسلم كما لو قيل له اما ان يبتغى ثوبك وامّا ان اقتل مسلما ومما ذكرنا يظهر سقوط ما حكى عنها ( أيضا ) من احتمال تحقق الإكراه بالتوعد بإتلاف مال مسلم وقد أجاد الشيخ ( رحمه الله ) في ( المبسوط ) حيث قال فاما ان كان الوعيد بنزول الضرر بالغير مثل ان يخوف بأخذ المال الغير وبضرب الغير فلا يكون إكراها إلا إذا كان ذلك الغير يجرى مجراه مثل ولده أو والده انتهى ثم لا فرق في الضّرر المتوعد به بين القتل والجرح والشتم والضّرب ولكن الإكراه بالأخيرين يختلف باختلاف منازل المكرهين في احتمال الإهانة وعدمه فرب وجيه تنقصه الشتمة الواحدة فضلا عن الضربة بخلاف المبتذل وليس ( كذلك ) المخرج والقتل الذي يستوي فيهما جميع الناس من جهة إلا لم والذي بنى عليه صاحب الجواهر ( رحمه الله ) هو ان الوظيفة في أمثال المقام انما هو الرجوع إلى العرف واللغة إذ ليس له وضع شرعي قال ( رحمه الله ) ولا يخفى عليك ان إيكال الأمر إلى ما سمعت يعنى العرف واللغة أولى ضرورة عدم اعتبار غلبة الظن بالفعل بل يكفى تحقق الخوف كما سمعته في المرسل لو انّ رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتّى يتخوف على نفسه ان يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شيء منه دام ظلَّه في المرسل فضلا عن العرف بل زائد لا يعتبر فيه عدم التمكن من الفرار من بلاده أو التوسل بالغير أو نحو ذلك ممّا فيه ضرر عليه وبالجملة تحديد مثل ذلك على وجه جامع متعذرا ومتعسر فايكال عنوان الحكم في النص والفتوى إلى العرف إلى بل لا يعتبر فيه عدم التمكن من الفرار من بلاده أو التوسل بالغير أو نحو ذلك مما فيه ضرر عليه وبالجملة تحديد مثل ذلك على وجه جامع متعذر أو متعسّر فايكال عنوان الحكم في النص والفتوى إلى العرف أولى ولا ريب في تحققه بالتخويف بأخذ المال المعتد به أو المضر بحاله على اختلاف القولين وان تركه ( المصنف ) ( رحمه الله ) انتهى وهو جيد متين قوله الذي يظهر من النصوص والفتاوى عدم اعتبار العجز عن التورية لأن حمل عموم الإكراه وخصوص النصوص الواردة في طلاق المكره وعتقه